فصل: الآية رقم ‏(‏236‏)‏

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير القرطبي المسمى بـ «الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان» **


 الآية رقم ‏(‏236‏)‏

‏{‏لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين‏}‏

قوله تعالى‏{‏لا جناح عليكم إن طلقتم النساء‏{‏ هذا أيضا من أحكام المطلقات؛ وهو ابتداء إخبار برفع الحرج عن المطلق قبل البناء والجماع، فرض مهرا أو لم يفرض؛ ولما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التزوج لمعنى الذوق وقضاء الشهوة، وأمر بالتزوج لطلب العصمة والتماس ثواب الله وقصد دوام الصحبة وقع في نفوس المؤمنين أن من طلق قبل البناء قد واقع جزءا من هذا المكروه فنزلت الآية رافعة للجناح في ذلك إذا كان أصل النكاح على المقصد الحسن‏.‏ وقال قوم‏{‏لا جناح عليكم‏{‏ معناه لا طلب لجميع المهر بل عليكم نصف المفروض لمن فرض لها، والمتعة لمن لم يفرض لها‏.‏ وقيل‏:‏ لما كان أمر المهر مؤكدا في الشرع فقد يتوهم أنه لا بد من مهر إما مسمى وإما مهر المثل؛ فرفع الحرج عن المطلق في وقت التطليق وإن لم يكن في النكاح مهر‏.‏ وقال قوم‏{‏لا جناح عليكم‏{‏ معناه في أن ترسلوا الطلاق في وقت الحيض، بخلاف المدخول بها إذ غير المدخول بها لا عدة عليها‏.‏

المطلقات أربع‏:‏ مطلقة مدخول بها مفروض لها وقد ذكر الله حكمها قبل هذه الآية وأنه لا يسترد منها شيء من المهر، وأن عدتها ثلاثة قروء‏.‏ ومطلقة غير مفروض لها ولا مدخول بها فهذه الآية في شأنها ولا مهر لها بل أمر الرب تعالى بإمتاعها وبين في سورة ‏{‏الأحزاب‏{‏ أن غير المدخول بها إذا طلقت فلا عدة عليها، وسيأتي‏.‏ ومطلقة مفروض لها غير مدخول بها ذكرها بعد هذه الآية إذ قال‏{‏وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة‏{‏، ‏[‏البقرة‏:‏ 237‏]‏ ومطلقة مدخول بها غير مفروض لها ذكرها الله في قوله‏{‏فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن‏}‏النساء‏:‏24‏]‏؛ فذكر تعالى هذه الآية والتي بعدها مطلقة قبل المسيس وقبل الفرض، ومطلقة قبل المسيس وبعد الفرض؛ فجعل للأولى المتعة، وجعل للثانية نصف الصداق لما لحق الزوجة من دحض العقد، ووصم الحل الحاصل للزوج بالعقد؛ وقابل المسيس بالمهر الواجب‏.‏

لما قسم الله تعالى حال المطلقة هنا قسمين‏:‏ مطلقة مسمى لها المهر، ومطلقة لم يسم لها دل على أن نكاح التفويض جائز وهو كل نكاح عقد من غير ذكر الصداق ولا خلاف فيه، ويفرض بعد ذلك الصداق فإن فرض التحق بالعقد وجاز وإن لم يفرض لها وكان الطلاق لم يجب صداق إجماعا قاله القاضي أبو بكر بن العربي‏.‏ وحكى المهدوي عن حماد بن أبي سليمان أنه إذا طلقها ولم يدخل بها ولم يكن فرض لها أجبر على نصف صداق مثلها‏.‏ وإن فرض بعد عقد النكاح وقبل وقوع الطلاق فقال أبو حنيفة‏:‏ لا يتنصف بالطلاق لأنه لم يجب بالعقد وهذا خلاف الظاهر من قوله تعالى‏{‏وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة‏}‏البقرة‏:‏237‏]‏ وخلاف القياس أيضا؛ فإن الفرض بعد العقد يلحق بالعقد فوجب أن يتنصف بالطلاق؛ أصله الفرض المقترن بالعقد‏.‏

إن وقع الموت قبل الفرض فذكر الترمذي عن ابن مسعود ‏(‏أنه سئل عن رجل تزوج امرأة لم يفرض لها ولم يدخل بها حتى مات فقال ابن مسعود‏:‏ لها مثل صداق نسائها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال‏:‏ قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق امرأة منا مثل الذي قضيت ففرح بها ابن مسعود‏)‏‏.‏ قال الترمذي‏:‏ حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح، وقد روي عنه من غير وجه، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وبه يقول الثوري وأحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر‏:‏ ‏(‏إذا تزوج الرجل امرأة ولم يدخل بها ولم يفرض لها صداقا حتى مات قالوا‏:‏ لها الميراث ولا صداق لها وعليها العدة‏)‏ وهول قول الشافعي‏.‏ وقال‏:‏ ولو ثبت حديث بروع بنت واشق لكانت الحجة فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ ويروى عن الشافعي أنه رجع بمصر بعد عن هذا القول، وقال بحديث بروع بنت واشق‏.‏

قلت‏:‏ اختلف في تثبيت حديث بروع؛ فقال القاضي أبو محمد عبدالوهاب في شرح رسالة ابن أبي زيد‏:‏ وأما حديث بروع بنت واشق فقد رده حفاظ الحديث وأئمة أهل العلم‏.‏ وقال الواقدي‏:‏ وقع هذا الحديث بالمدينة فلم يقبله أحد من العلماء وصححه الترمذي كما ذكرنا عنه وابن المنذر‏.‏ قال ابن المنذر‏:‏ وقد ثبت مثل قول عبدالله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه نقول‏.‏ وذكر أنه قول أبي ثور وأصحاب الرأي‏.‏ وذكر عن الزهري والأوزاعي ومالك والشافعي مثل قول علي وزيد وابن عباس وابن عمر‏.‏ وفي المسألة قول ثالث وهو أنه لا يكون ميراث حتى يكون مهر؛ قاله مسروق‏.‏

قلت‏:‏ ومن الحجة لما ذهب إليه مالك أنه فراق في نكاح قبل الفرض فلم يجب فيه صداق؛ أصله الطلاق لكن إذا صح الحديث فالقياس في مقابلته فاسد‏.‏ وقد حكى أبو محمد عبدالحميد عن المذهب ما يوافق الحديث والحمد لله‏.‏ وقال أبو عمر‏:‏ حديث بروع رواه عبدالرزاق عن الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود الحديث‏.‏ وفيه‏:‏ فقام معقل بن سنان‏.‏ وقال فيه ابن مهدي عن الثوري عن فراس عن الشعبي عن مسروق عن عبدالله فقال معقل بن يسار، والصواب عندي قول من قال‏:‏ معقل بن سنان لا معقل بن يسار لأن معقل بن يسار رجل من مزينة، وهذا الحديث إنما جاء في امرأة من أشجع لا من مزينة وكذلك رواه داود عن الشعبي عن علقمة؛ وفيه‏:‏ فقال ناس من أشجع ومعقل بن سنان قتل يوم الحرة وفي يوم الحرة يقول الشاعر‏:‏

ألا تلكم الأنصار تبكي سراتها وأشجع تبكي معقل بن سنان

قوله تعالى‏{‏ما لم تمسوهن‏{‏ ‏(‏ما‏)‏ بمعنى الذي، أي إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن‏.‏ و‏{‏تمسوهن‏{‏ قرئ بفتح التاء من الثلاثي، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وعاصم وابن عامر‏.‏ وقرأ حمزة والكسائي ‏{‏تماسوهن‏{‏ من المفاعلة؛ لأن الوطء تم بهما؛ وقد يرد في باب المفاعلة فاعل بمعنى فعل؛ نحو طارقت النعل، وعاقبت اللص‏.‏ والقراءة الأولى تقتضي معنى المفاعلة في هذا الباب بالمعنى المفهوم من المس؛ ورجحها أبو علي؛ لأن أفعال هذا المعنى جاءت ثلاثية على هذا الوزن، جاء‏:‏ نكح وسفد وقرع ودفط وضرب الفحل؛ والقراءتان حسنتان‏.‏ و‏{‏أو‏{‏ في ‏{‏أو تفرضوا‏{‏ قيل هو بمعنى الواو؛ أي ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن؛ كقوله تعالى‏{‏وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون‏}‏الأعراف‏:‏ 4‏]‏ أي وهم قائلون‏.‏ وقوله‏{‏وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون‏}‏الصافات‏:‏ 147‏]‏ أي ويزيدون‏.‏، وقوله‏{‏ولا تطع منهم آثما أو كفورا‏}‏الإنسان‏:‏24‏]‏ أي وكفورا‏.‏ وقوله‏{‏وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط‏}‏النساء‏:‏ 43‏]‏ معناه وجاء أحد منكم من الغائط وأنتم مرضى أو مسافرون‏.‏ وقوله‏{‏إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم‏}‏الأنعام‏:‏ 146‏]‏ وما كان مثله‏.‏ ويعتضد هذا بأنه تعالى عطف عليها بعد ذلك المفروض لها فقال‏{‏وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة‏}‏البقرة‏:‏ 237‏]‏‏.‏ فلو كان الأول لبيان طلاق المفروض لها قبل المسيس لما كرره‏.‏

قوله تعالى‏{‏ومتعوهن‏{‏ معناه أعطوهن شيئا يكون متاعا لهن‏.‏ وحمله ابن عمر وعلي بن أبي طالب والحسن بن أبى الحسن وسعيد بن جبير وأبو قلابة والزهري وقتادة والضحاك بن مزاحم على الوجوب‏.‏ وحمله أبو عبيد ومالك بن أنس وأصحابه والقاضي شريح وغيرهم على الندب‏.‏ تمسك أهل القول الأول بمقتضى الأمر‏.‏ وتمسك أهل القول الثاني بقوله تعالى‏{‏حقا على المحسنين‏{‏ و‏{‏على المتقين‏{‏ ولو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين‏.‏ والقول الأول أولى؛ لأن عمومات الأمر بالإمتاع في قوله‏{‏متعوهن‏{‏ وإضافة الإمتاع إليهن بلام التمليك في قوله‏{‏وللمطلقات متاع‏{‏ أظهر في الوجوب منه في الندب‏.‏ وقوله‏{‏على المتقين‏{‏ تأكيد لإيجابها؛ لأن كل واحد يجب عليه أن يتقي الله في الإشراك به ومعاصيه، وقد قال تعالى في القرآن‏{‏هدى للمتقين‏{‏‏.‏

واختلفوا في الضمير المتصل بقوله ‏{‏ومتعوهن‏{‏ من المراد به من النساء‏؟‏ فقال ابن عباس وابن عمر وجابر بن زيد والحسن والشافعي وأحمد وعطاء وإسحاق وأصحاب الرأي‏:‏ المتعة واجبة للمطلقة قبل البناء والفرض، ومندوبة في حق غيرها‏.‏ وقال مالك وأصحابه‏:‏ المتعة مندوب إليها في كل مطلقة وإن دخل بها، إلا في التي لم يدخل بها وقد فرض لها فحسبها ما فرض لها ولا متعة لها‏.‏ وقال أبو ثور‏:‏ لها المتعة ولكل مطلقة‏.‏ وأجمع أهل العلم على أن التي لم يفرض لها ولم يدخل بها لا شيء لها غير المتعة‏.‏ قال الزهري‏:‏ يقضي لها بها القاضي‏.‏ وقال جمهور الناس‏:‏ لا يقضي بها لها‏.‏

قلت‏:‏ هذا الإجماع إنما هو في الحرة، فأما الأمة إذا طلقت قبل الفرض والمسيس فالجمهور على أن لها المتعة‏.‏ وقال الأوزاعي والثوري‏:‏ لا متعة لها لأنها تكون لسيدها وهو لا يستحق مالا في مقابلة تأذي مملوكته بالطلاق‏.‏ وأما ربط مذهب مالك فقال ابن شعبان‏:‏ المتعة بإزاء غم الطلاق، ولذلك ليس للمختلعة والمبارئة والملاعنة متعة قبل البناء ولا بعده؛ لأنها هي التي اختارت الطلاق‏.‏ وقال الترمذي وعطاء والنخعي‏:‏ للمختلعة متعة‏.‏ وقال أصحاب الرأي‏:‏ للملاعنة متعة‏.‏ قال ابن القاسم‏:‏ ولا متعة في نكاح مفسوخ‏.‏ قال ابن المواز‏:‏ ولا فيما يدخله الفسخ بعد صحة العقد؛ مثل ملك أحد الزوجين صاحبه‏.‏ قال ابن القاسم‏:‏ وأصل ذلك قوله تعالى‏{‏وللمطلقات متاع بالمعروف‏{‏ فكان هذا الحكم مختصا بالطلاق دون الفسخ‏.‏ وروى ابن وهب عن مالك أن المخيرة لها المتعة بخلاف الأمة تعتق تحت العبد فتختار هي نفسها، فهذه لا متعة لها‏.‏ وأما الحرة تخير أو تملك أو يتزوج عليها أمة فتختار هي نفسها في ذلك كله فلها المتعة؛ لأن الزوج سبب للفراق‏.‏

قال مالك‏:‏ ليس للمتعة عندنا حد معروف في قليلها ولا كثيرها‏.‏ وقد اختلف الناس في هذا؛ فقال ابن عمر‏:‏ أدنى ما يجزئ في المتعة ثلاثون درهما أو شبهها‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ أرفع المتعة خادم ثم كسوة ثم نفقة‏.‏ عطاء‏:‏ أوسطها الدرع والخمار والملحفة‏.‏ أبو حنيفة‏:‏ ذلك أدناها‏.‏ وقال ابن محيريز‏:‏ على صاحب الديوان ثلاثة دنانير، وعلى العبد المتعة‏.‏ وقال الحسن‏:‏ يمتع كل بقدره، هذا بخادم وهذا بأثواب وهذا بثوب وهذا بنفقة؛ وكذلك يقول مالك بن أنس، وهو مقتضى القرآن فإن الله سبحانه لم يقدرها ولا حددها وإنما قال‏{‏على الموسع قدره وعلى المقتر قدره‏{‏‏.‏ ومتع الحسن بن علي بعشرين ألفا وزقاق من عسل‏.‏ ومتع شريح بخمسمائة درهم‏.‏ وقد قيل‏:‏ إن حالة المرأة معتبرة أيضا؛ قاله بعض الشافعية، قالوا‏:‏ لو اعتبرنا حال الرجل وحده لزم منه أنه لو تزوج امرأتين إحداهما شريفة والأخرى دنية ثم طلقهما قبل المسيس ولم يسم لهما أن يكونا متساويتين في المتعة فيجب للدنية ما يجب للشريفة وهذا خلاف ما قال الله تعالى‏{‏متاعا بالمعروف‏{‏ ويلزم منه أن، الموسر العظيم اليسار إذا تزوج امرأة دنية أن يكون مثلها؛ لأنه إذا طلقها قبل الدخول والفرض لزمته المتعة على قدر حاله ومهر مثلها؛ فتكون المتعة على هذا أضعاف مهر مثلها؛ فتكون قد استحقت قبل الدخول أضعاف ما تستحقه بعد الدخول من مهر المثل الذي فيه غاية الابتذال وهو الوطء‏.‏ وقال أصحاب الرأي وغيرهم‏:‏ متعة التي تطلق قبل الدخول والفرض نصف مهر مثلها لا غير؛ لأن مهر المثل مستحق بالعقد، والمتعة هي بعض مهر المثل؛ فيجب لها كما يجب نصف المسمى إذا طلق قبل الدخول، وهذا يرده قوله تعالى‏{‏على الموسع قدره وعلى المقتر قدرة‏{‏ وهذا دليل على رفض التحديد؛ والله بحقائق الأمور عليم‏.‏ وقد ذكر الثعلبي حديثا قال‏:‏ نزلت ‏{‏لا جناح عليكم إن طلقتم النساء‏{‏ الآية، في رجل من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسم لها مهرا ثم طلقها قبل أن يمسها فنزلت الآية؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏متعها ولو بقلنسوتك‏)‏‏.‏ وروى الدارقطني عن سويد بن غفلة قال‏:‏ كانت عائشة الخثعمية عند الحسن بن علي بن أبي طالب فلما أصيب علي وبويع الحسن بالخلافة قالت‏:‏ لتهنك الخلافة يا أمير المؤمنين، فقال‏:‏ يقتل علي وتظهرين الشماتة، اذهبي فأنت طالق ثلاثا‏.‏ قال‏:‏ فتلفعت بساجها وقعدت حتى انقضت عدتها فبعث إليها بعشرة آلاف متعة، وبقية ما بقي لها من صداقها‏.‏ فقالت‏:‏

متاع قليل من حبيب مفارق

فلما بلغه قولها بكى وقال‏:‏ لولا أني سمعت جدي - أو حدثني أبي أنه سمع جدي - يقول‏:‏ أيما رجل طلق امرأته ثلاثا مبهمة أو ثلاثا عند الأقراء لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره لراجعتها‏.‏ وفي رواية‏:‏ أخبره الرسول فبكى وقال‏:‏ لولا أني أبنت الطلاق لها لراجعتها، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏أيما رجل طلق امرأته ثلاثا عند كل طهر تطليقة أو عند رأس كل شهر تطليقة أو طلقها ثلاثا جميعا لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره‏)‏‏.‏

من جهل المتعة حتى مضت أعوام فليدفع ذلك إليها وإن تزوجت، وإلى ورثتها إن ماتت، رواه ابن المواز عن ابن القاسم‏.‏ وقال أصبغ‏:‏ لا شيء عليه إن ماتت لأنها تسلية للزوجة عن الطلاق وقد فات ذلك‏.‏ ووجه الأول أنه حق ثبت عليه وينتقل عنها إلى ورثتها كسائر الحقوق، وهذا يشعر بوجوبها في المذهب، والله أعلم‏.‏

قوله تعالى‏{‏على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف‏{‏ دليل على وجوب المتعة وقرأ الجمهور ‏{‏الموسع‏{‏ بسكون الواو وكسر السين، وهو الذي اتسعت حاله، يقال‏:‏ فلان ينفق، على قدره، أي على وسعه‏.‏ وقرأ أبو حيوة بفتح الواو وشد السين وفتحها‏.‏ وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر ‏{‏قدره‏{‏ بسكون الدال في الموضعين‏.‏ وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص بفتح الدال فيهما‏.‏ قال أبو الحسن الأخفش وغيره‏:‏ هما بمعنى، لغتان فصيحتان، وكذلك حكى أبو زيد، يقول‏:‏ خذ قدر كذا وقدر كذا، بمعنى‏.‏ ويقرأ في كتاب الله‏{‏فسالت أودية بقدرها‏}‏الرعد‏:‏ 17‏]‏ وقدرها، وقال تعالى‏{‏وما قدروا الله حق قدره‏}‏الأنعام‏:‏ 91‏]‏ ولو حركت الدال لكان جائزا‏.‏ و‏{‏المقتر‏{‏ المقل القليل المال‏.‏ و‏{‏متاعا‏{‏ نصب على المصدر، أي متعوهن متاعا ‏{‏بالمعروف‏{‏ أي بما عرف في الشرع من الاقتصاد‏.‏

قوله تعالى‏{‏حقا على المحسنين‏{‏ أي يحق ذلك عليهم حقا، يقال‏:‏ حققت عليه القضاء وأحققت، أي أوجبت، وفي هذا دليل على وجوب المتعة مع الأمر بها، فقوله‏{‏حقا‏{‏ تأكيد للوجوب‏.‏ ومعنى ‏{‏على المحسنين‏{‏ و‏{‏على المتقين‏{‏ أي على المؤمنين، إذ ليس لأحد أن يقول‏:‏ لست بمحسن ولا متق، والناس مأمورون بأن يكونوا جميعا محسنين متقين؛ فيحسنون، بأداء فرائض الله ويجتنبون معاصيه حتى لا يدخلوا النار؛ فواجب على الخلق أجمعين أن يكونوا محسنين متقين‏.‏ و‏{‏حقا‏{‏ صفة لقوله ‏{‏متاعا‏{‏ أو نصب على المصدر، وذلك أدخل في التأكيد للأمر؛ والله أعلم‏.‏

 الاية رقم ‏(‏237‏)‏

‏{‏وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير‏}‏

اختلف الناس في هذه الآية؛ فقالت فرقة منها مالك وغيره‏:‏ إنها مخرجة المطلقة بعد الفرض من حكم التمتع؛ إذ يتناولها قوله تعالى‏{‏ومتعوهن‏{‏‏.‏ وقال ابن المسيب‏:‏ نسخت هذه الآية الآية التي في ‏{‏الأحزاب‏{‏ لأن تلك تضمنت تمتيع كل من لم يدخل بها‏.‏ وقال قتادة‏:‏ نسخت هذه الآية الآية التي قبلها‏.‏

قلت‏:‏ قول سعيد وقتادة فيه نظر؛ إذ شروط النسخ غير موجودة والجمع ممكن‏.‏ وقال ابن القاسم في المدونة‏:‏ كان المتاع لكل مطلقة بقوله تعالى‏{‏وللمطلقات متاع بالمعروف‏}‏البقرة‏:‏241‏]‏ ولغير المدخول بها بالآية التي في سورة ‏{‏الأحزاب‏{‏ فاستثنى الله تعالى المفروض لها قبل الدخول بها بهذه الآية، وأثبت للمفروض لها نصف ما فرض فقط‏.‏ وقال فريق من العلماء منهم أبو ثور‏:‏ المتعة لكل مطلقة عموما، وهذه الآية إنما بينت أن المفروض لها تأخذ نصف ما فرض لها، ولم يعن بالآية إسقاط متعتها، بل لها المتعة ونصف المفروض‏.‏

قوله تعالى‏{‏فنصف ما فرضتم‏{‏ أي فالواجب نصف ما فرضتم، أي من المهر فالنصف للزوج والنصف للمرأة بإجماع‏.‏ والنصف الجزء من اثنين؛ فيقال‏:‏ نصف الماء القدح أي بلغ نصفه‏.‏ ونصف الإزار الساق؛ وكل شيء بلغ نصف غيره فقد نصفه‏.‏ وقرأ الجمهور ‏{‏فنصف‏{‏ بالرفع‏.‏ وقرأت فرقة ‏{‏فنصف‏{‏ بنصب الفاء؛ المعنى فادفعوا نصف‏.‏ وقرأ علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت ‏{‏فنصف‏{‏ بضم النون في جميع القرآن وهي لغة‏.‏ وكذلك‏"‏روى الأصمعي قراءة عن أبي عمرو بن العلاء يقال‏:‏ نصف ونصف ونصيف،، لغات ثلاث في النصف؛ وفي الحديث‏:‏ ‏(‏لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه‏)‏ أي نصفه‏.‏ والنصيف أيضا القناع‏.‏

إذا أصدقها ثم طلقها قبل الدخول ونما الصداق في يدها فقال مالك‏:‏ كل عرض أصدقها أو عبد فنماؤهما لهما جميعا ونقصانه بينهما، وتواه عليهما جميعا ليس على المرأة منه شيء‏.‏ فإن أصدقها عينا ذهبا أو ورقا فاشترت به عبدا أو دارا أو اشترت به منه أو من غيره طيبا أو شوارا أو غير ذلك مما لها التصرف فيه لجهازها وصلاح شأنها في بقائها معه فذلك كله بمنزلة ما لو أصدقها إياه، ونماؤه ونقصانه بينهما‏.‏ وإن طلقها قبل الدخول لم يكن لها إلا نصفه، وليس عليها أن تغرم له نصف ما قبضته منه، وإن اشترت به أو منه شيئا تختص به فعليها أن تغرم له نصف صداقها الذي قبضت منه، وكذلك لو اشترت من غيره عبدا أو دارا بالألف الذي أصدقها ثم طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف الألف‏.‏

لا خلاف أن من دخل بزوجته ثم مات عنها وقد سمى لها أن لها ذلك المسمى كاملا والميراث، وعليها العدة‏.‏

واختلفوا في الرجل يخلو بالمرأة ولم يجامعها حتى فارقها؛ فقال الكوفيون ومالك‏:‏ عليه جميع المهر، وعليها العدة؛ لخبر ابن مسعود قال‏:‏ قضى الخلفاء الراشدون فيمن أغلق بابا أو أرخى سترا أن لها الميراث وعليها العدة؛ وروي مرفوعا خرجه الدارقطني وسيأتي في ‏{‏النساء‏{‏‏.‏ والشافعي لا يوجب مهرا كاملا، ولا عدة إذا لم يكن دخول؛ لظاهر القرآن‏.‏ قال شريح‏:‏ لم أسمع الله سبحانه وتعالى ذكر في كتابه بابا ولا سترا، إذا زعم أنه لم يمسها فلها نصف الصداق؛ وهو مذهب ابن عباس وسيأتي ما لعلمائنا في هذا في سورة ‏{‏النساء‏{‏ إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى‏{‏وقد أفضى بعضكم إلى بعض‏}‏النساء‏:‏ 21‏]‏‏.‏

قوله تعالى‏{‏إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح‏{‏ الآية‏.‏ ‏{‏إلا أن يعفون‏{‏ استثناء منقطع؛ لأن عفوهن عن النصف ليس من جنس أخذهن‏.‏ و‏{‏يعفون‏{‏ معناه يتركن ويصفحن، ووزنه يفعلن‏.‏ والمعنى إلا أن يتركن النصف الذي، وجب لهن عند الزوج، ولم تسقط النون مع ‏{‏أن‏{‏؛ لأن جمع المؤنث في المضارع على حالة واحدة في الرفع والنصب والجزم، فهي ضمير وليست بعلامة إعراب فلذلك لم تسقط؛ ولأنه لو سقطت النون لاشتبه بالمذكر‏.‏ والعافيات في هذه الآية كل امرأة تملك أمر نفسها، فأذن الله سبحانه وتعالى لهن في إسقاطه بعد وجوبه؛ إذ جعله خالص حقهن، فيتصرفن فيه بالإمضاء والإسقاط كيف شئن، إذا ملكن أمر أنفسهن وكن بالغات عاقلات راشدات‏.‏ وقال ابن عباس وجماعة من الفقهاء والتابعين‏:‏ ويجوز عفو البكر التي لا ولي لها؛ وحكاه سحنون في المدونة عن غير ابن القاسم بعد أن ذكر لابن القاسم أن وضعها نصف الصداق لا يجوز‏.‏ وأما التي في حجر أب أو وصي فلا يجوز وضعها لنصف صداقها قولا واحدا، ولا خلاف فيه فيما أعلم‏.‏

قوله تعالى‏{‏أو يعفو الذي بيده‏{‏ معطوف على الأول مبني، وهذا معرب‏.‏ وقرأ الحسن ‏{‏أو يعفو‏{‏ ساكنة الواو، كأنه استثقل الفتحة في الواو‏.‏ واختلف الناس في المراد بقوله تعالى‏{‏أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح‏{‏ فروى الدارقطني عن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة من بني نصر فطلقها قبل أن يدخل بها، فأرسل إليها بالصداق كاملا وقال‏:‏ أنا أحق بالعفو منها، قال الله تعالى‏{‏إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ‏{‏وأنا أحق بالعفو منها‏.‏ وتأول قوله تعالى‏{‏أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح‏{‏ يعني نفسه في كل حال قبل الطلاق وبعده، أي عقدة نكاحه؛ فلما أدخل اللام حذف الهاء كقوله‏{‏فإن الجنة هي المأوى‏}‏النازعات‏:‏ 41‏]‏ أي مأواه‏.‏ قال النابغة‏:‏

لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم من الجود والأحلام غير عوازب

أي أحلامهم‏.‏ وكذلك قوله‏{‏عقدة النكاح‏{‏ أي عقدة نكاحه‏.‏ وروى الدارقطني مرفوعا من حديث قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ولي عقدة النكاح الزوج‏)‏‏.‏ وأسند هذا عن علي وابن عباس وسعيد بن المسيب وشريح‏.‏ قال‏:‏ وكذلك قال نافع بن جبير ومحمد بن كعب وطاوس ومجاهد، والشعبي وسعيد بن جبير، زاد غيره ومجاهد والثوري؛ واختاره أبو حنيفة، وهو الصحيح من قول الشافعي، كلهم لا يرى سبيلا للولي على شيء من صداقها؛ للإجماع على أن الولي لو أبرأ الزوج من المهر قبل الطلاق لم يجز فكذلك بعده‏.‏ وأجمعوا على أن الولي لا يملك أن يهب شيئا من مالها، والمهر مالها‏.‏ وأجمعوا على أن من الأولياء من لا يجوز عفوهم وهم بنو العم وبنو الإخوة، فكذلك الأب، والله أعلم‏.‏ ومنهم من قال هو الولي أسنده الدارقطني أيضا عن ابن عباس قال‏:‏ وهو قول إبراهيم وعلقمة والحسن، زاد غيره وعكرمة وطاوس وعطاء وأبي الزناد وزيد بن أسلم وربيعة ومحمد بن كعب وابن شهاب والأسود بن يزيد والشعبي وقتادة ومالك والشافعي في القديم‏.‏ فيجوز للأب العفو عن نصف صداق ابنته البكر إذا طلقت، بلغت المحيض أم لم تبلغه‏.‏ قال عيسى بن دينار‏:‏ ولا ترجع بشيء منه على أبيها، والدليل على أن المراد الولي أن الله سبحانه وتعالى قال في أول الآية‏{‏وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم‏{‏ فذكر الأزواج وخاطبهم بهذا الخطاب، ثم قال‏{‏إلا أن يعفون‏{‏ فذكر النسوان، ‏{‏أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح‏{‏ فهو ثالث فلا يرد إلى الزوج المتقدم إلا لو لم يكن لغيره وجود، وقد وجد وهو الولي فهو المراد‏.‏ قال معناه مكي وذكره ابن العربي‏.‏ وأيضا فإن الله تعالى قال‏{‏إلا أن يعفون‏{‏ ومعلوم أنه ليس كل امرأة تعفو، فإن الصغيرة والمحجور عليها لا عفو لهما، فبين الله القسمين فقال‏{‏إلا أن يعفون‏{‏ أي إن كن لذلك أهلا، ‏{‏أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح‏{‏ وهو الولي؛ لأن الأمر فيه إليه‏.‏ وكذلك‏"‏روى ابن وهب وأشهب وابن عبدالحكم وابن القاسم عن مالك أنه الأب في ابنته البكر والسيد في أمته‏.‏ وإنما يجوز عفو الولي إذا كان من أهل السداد، ولا يجوز عفوه إذا كان سفيها‏.‏ فإن قيل‏:‏ لا نسلم أنه الولي بل هو الزوج، وهذا الاسم أولى به؛ لأنه أملك للعقد من الولي على ما تقدم‏.‏ فالجواب - أنا لا نسلم أن الزوج أملك للعقد من الأب في ابنته البكر، بل أب البكر يملكه خاصة دون الزوج؛ لأن المعقود عليه هو بضع البكر، ولا يملك الزوج أن يعقد على ذلك بل الأب يملكه‏.‏ وقد أجاز شريح عفو الأخ عن نصف المهر؛ وكذلك قال عكرمة‏:‏ يجوز عفو الذي، عقد عقدة النكاح بينهما، كان عما أو أبا أو أخا، وإن كرهت‏.‏ وقرأ أبو نهيك والشعبي ‏{‏أو يعفو‏{‏ بإسكان الواو على التشبيه بالألف؛ ومثله قول الشاعر‏:‏

فما سودتني عامر عن وراثة أبى الله أن أسمو بأم ولا أب

قوله تعالى‏{‏وأن تعفوا أقرب للتقوى‏{‏ ابتداء وخبر، أو الأصل تعفووا أسكنت الواو الأولى لثقل حركتها ثم حذفت لالتقاء الساكنين، وهو خطاب للرجال والنساء في قول ابن عباس فغلب الذكور، واللام بمعنى إلى، أي أقرب إلى التقوى‏.‏ وقرأ الجمهور ‏{‏تعفو‏{‏ بالتاء باثنتين من فوق‏.‏ وقرأ أبو نهيك والشعبي ‏{‏وأن يعفوا‏{‏ بالياء، وذلك راجع إلى الذي بيده عقدة النكاح‏.‏

قلت‏:‏ ولم يقرأ ‏{‏وأن تعفون‏{‏ بالتاء فيكون للنساء‏.‏ وقرأ الجمهور ‏{‏ولا تنسوا الفضل‏{‏ بضم الواو؛ وكسرها يحيى بن يعمر‏.‏ وقرأ علي ومجاهد وأبو حيوة وابن أبي عبلة ‏{‏ولا تناسوا الفضل‏{‏ وهي قراءة متمكنة المعنى؛ لأنه موضع تناس لا نسيان إلا على التشبيه‏.‏ قال مجاهد‏:‏ الفضل إتمام الرجل الصداق كله، أو ترك المرأة النصف الذي لها‏.‏

قوله تعالى‏{‏إن الله بما تعملون بصير‏{‏ خبر في ضمنه الوعد للمحسن والحرمان لغير المحسن، أي لا يخفى عليه عفوكم واستقضاؤكم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏238‏)‏

‏{‏حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين‏}‏

قوله تعالى‏{‏حافظوا‏{‏ خطاب لجمع الأمة، والآية أمر بالمحافظة على إقامة الصلوات في أوقاتها بجميع شروطها‏.‏ والمحافظة هي المداومة على الشيء والمواظبة عليه‏.‏ ، والوسطى تأنيث الأوسط‏.‏ ووسط الشيء خيره وأعدله؛ ومنه قوله تعالى‏{‏وكذلك جعلناكم أمة وسطا‏}‏البقرة‏:‏ 143‏]‏ وقد تقدم‏.‏ وقال أعرابي يمدح النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏

يا أوسط الناس طرا في مفاخرهم وأكرم الناس أما برة وأبا

ووسط فلان القوم يسطهم أي صار في وسطهم‏.‏ وأفرد الصلاة الوسطى بالذكر وقد دخلت قبل في عموم الصلوات تشريفا لها؛ كقوله تعالى‏{‏وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح‏}‏الأحزاب‏:‏ 7‏]‏، وقوله‏{‏فيهما فاكهة ونخل ورمان‏}‏الرحمن‏:‏ 68‏]‏‏.‏ وقرأ أبو جعفر الواسطي ‏{‏والصلاة الوسطى‏{‏ بالنصب على الإغراء، أي وألزموا الصلاة الوسطى‏:‏ وكذلك قرأ الحلواني‏.‏ وقرأ قالون عن نافع ‏{‏الوصطى‏{‏ بالصاد لمجاورة الطاء لها؛ لأنهما من حيز واحد، وهما لغتان كالصراط ونحوه‏.‏

 واختلف الناس في تعيين الصلاة الوسطى على عشرة أقوال‏:‏

 الأول‏:‏ أنها الظهر؛ لأنها وسط النهار على الصحيح من القولين أن النهار أوله من طلوع الفجر كما تقدم، وإنما بدأنا بالظهر لأنها أول صلاة صليت في الإسلام‏.‏ وممن قال أنها الوسطى زيد بن ثابت وأبو سعيد الخدري وعبدالله بن عمر وعائشة رضي الله عنهم‏.‏ ومما يدل على أنها وسطى ما قالته عائشة وحفصة حين أملتا ‏{‏حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر‏{‏ بالواو‏.‏ وروي أنها كانت أشق على المسلمين؛ لأنها كانت تجيء في الهاجرة وهم قد نفهتهم أعمالهم في أموالهم‏.‏ وروى أبو داود عن زيد قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة ولم تكن تصلى صلاة أشد على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، فنزلت‏{‏حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى‏{‏ وقال‏:‏ إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين‏.‏ وروى مالك في موطئه وأبو داود الطيالسي في مسنده عن زيد بن ثابت قال‏:‏ الصلاة الوسطى صلاة الظهر؛ زاد الطيالسي‏:‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها بالهجير‏.‏

 الثاني‏:‏ إنها العصر؛ لأن قبلها صلاتي نهار وبعدها صلاتي ليل‏.‏ قال النحاس‏:‏ وأجود من هذا الاحتجاج أن يكون إنما قيل لها وسطى لأنها بين صلاتين إحداهما أول ما فرض والأخرى الثانية مما فرض‏.‏ وممن قال أنها وسطى علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري، وهو اختيار أبي حنيفة وأصحابه، وقاله الشافعي وأكثر أهل الأثر، وإليه ذهب عبدالملك بن حبيب واختاره ابن العربي في قبسه وابن عطية في تفسيره وقال‏:‏ وعلى هذا القول الجمهور من الناس وبه أقول واحتجوا بالأحاديث الواردة في هذا الباب خرجها مسلم وغيره، وأنصها حديث ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الصلاة الوسطى صلاة العصر‏)‏ خرجه الترمذي وقال‏:‏ حديث حسن صحيح‏.‏ وقد أتينا زيادة على هذا في القبس في شرح موطأ مالك بن أنس‏.‏

 الثالث‏:‏ إنها المغرب؛ قاله قبيصة بن أبي ذؤيب في جماعة‏.‏ والحجة لهم أنها متوسطة في عدد الركعات ليست بأقلها ولا أكثرها ولا تقصر في السفر، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤخرها عن وقتها ولم يعجلها، وبعدها صلاتا جهر وقبلها صلاتا سر‏.‏ وروي من حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن أفضل الصلوات عند الله صلاة المغرب لم يحطها عن مسافر ولا مقيم فتح الله بها صلاة الليل وختم بها صلاة النهار فمن صلى المغرب وصلى بعدها ركعتين بنى الله له قصرا في الجنة ومن صلى بعدها أربع ركعات غفر الله له ذنوب عشرين سنة - أو قال - أربعين سنة‏)‏‏.‏

 الرابع‏:‏ صلاة العشاء الآخرة؛ لأنها بين صلاتين لا تقصران، وتجيء في وقت نوم ويستحب تأخيرها وذلك شاق فوقع التأكيد في المحافظة عليها‏.‏

 الخامس‏:‏ إنها الصبح؛ لأن قبلها صلاتي ليل يجهر فيهما وبعدها صلاتي نهار يسر فيهما؛ ولأن وقتها يدخل والناس نيام، والقيام إليها شاق في زمن البرد لشدة البرد وفي زمن الصيف لقصر الليل‏.‏ وممن قال أنها وسطى علي بن أبي طالب وعبدالله بن عباس، أخرجه، الموطأ بلاغا، وأخرجه الترمذي عن ابن عمر وابن عباس تعليقا، وروي عن جابر بن عبدالله، وهو قول مالك وأصحابه وإليه ميل الشافعي فيما ذكر عنه القشيري‏.‏ والصحيح عن علي أنها العصر، وروي عنه ذلك من وجه معروف صحيح وقد استدل من قال أنها الصبح بقوله تعالى‏{‏وقوموا لله قانتين‏{‏ يعني فيها، ولا صلاة مكتوبة فيها قنوت إلا الصبح‏.‏ قال أبو رجاء‏:‏ صلى بنا ابن عباس صلاة الغداة بالبصرة فقنت فيها قبل الركوع ورفع يديه فلما فرغ قال‏:‏ هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا الله تعالى أن نقوم فيها قانتين‏.‏ وقال أنس‏:‏ قنت النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح بعد الركوع؛ وسيأتي حكم القنوت وما للعلماء فيه في ‏{‏آل عمران‏{‏ عند قوله تعالى‏{‏ليس لك من الأمر شيء‏}‏‏.‏

 السادس‏:‏ صلاة الجمعة؛ لأنها خصت بالجمع لها والخطبة فيها وجعلت عيدا ذكره ابن حبيب ومكي وروى مسلم عن عبدالله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة‏:‏ ‏(‏لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم‏)‏‏.‏

 السابع‏:‏ إنها الصبح والعصر معا‏.‏ قاله الشيخ أبو بكر الأبهري؛ واحتج بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث، رواه أبو هريرة‏.‏ وروى جرير بن عبدالله قال‏:‏ كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال‏:‏ ‏(‏أما أنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ يعني العصر والفجر‏:‏ ثم قرأ جرير ‏{‏وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها‏}‏ق‏:‏ 39‏]‏‏.‏ وروى عمارة بن رؤيبة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها‏)‏، يعني الفجر والعصر‏.‏ وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏من صلى البردين دخل الجنة‏)‏ كله ثابت في صحيح مسلم وغيره‏.‏ وسميتا البردين لأنهما يفعلان في وقتي البرد‏.‏

 الثامن‏:‏ إنها العتمة والصبح‏.‏ قال أبو الدرداء رضي الله عنه في مرضه الذي مات فيه‏:‏ ‏(‏اسمعوا وبلغوا من خلفكم حافظوا على هاتين الصلاتين - يعني في جماعة - العشاء والصبح، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبوا على مرافقكم وركبكم‏)‏ قاله عمر وعثمان‏.‏ وروى الأئمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا - وقال - إنهما أشد الصلاة على المنافقين‏)‏ وجعل لمصلي الصبح في جماعة قيام ليلة والعتمة نصف ليلة؛ ذكره مالك موقوفا على عثمان ورفعه مسلم، وخرجه أبو داود والترمذي عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏من شهد العشاء في جماعة كان له قيام نصف ليلة ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان له كقيام ليلة‏)‏ وهذا خلاف ما رواه مالك ومسلم‏.‏

 التاسع‏:‏ أنها الصلوات الخمس بجملتها؛ قاله معاذ بن جبل؛ لأن قوله تعالى‏{‏حافظوا على الصلوات‏{‏ يعم الفرض والنفل، ثم خص الفرض بالذكر‏.‏

 العاشر‏:‏ إنها غير معينة؛ قاله نافع عن ابن عمر، وقاله الربيع بن خيثم فخبأها الله تعالى في الصلوات كما خبأ ليلة القدر في رمضان، وكما خبأ ساعة يوم الجمعة وساعات الليل المستجاب فيها الدعاء ليقوموا بالليل في الظلمات لمناجاة عالم الخفيات‏.‏ ومما يدل على صحة أنها مبهمة غير معينة ما رواه مسلم في صحيحه في آخر الباب عن البراء بن عازب قال‏:‏ نزلت هذه الآية‏{‏حافظوا على الصلوات وصلاة العصر‏{‏ فقرأناها ما شاء الله، ثم نسخها الله فنزلت‏{‏حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى‏{‏ فقال رجل‏:‏ هي إذا صلاة العصر‏؟‏ قال البراء‏:‏ قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله تعالى، والله أعلم‏.‏ فلزم من هذا أنها بعد أن عينت نسخ تعيينها وأبهمت فارتفع التعيين، والله أعلم‏.‏ وهذا اختيار مسلم لأنه أتى به في آخر الباب وقال به غير واحد من العلماء المتأخرين، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لتعارض الأدلة وعدم الترجيح فلم يبق إلا المحافظة على جميعها وأدائها في أوقاتها والله أعلم‏.‏

وهذا الاختلاف في الصلاة الوسطى يدل على بطلان من أثبت ‏{‏وصلاة العصر‏{‏ المذكور في حديث أبي يونس مولى عائشة حين أمرته أن يكتب لها مصحفا قرآنا‏.‏ قال علماؤنا‏:‏ وإنما ذلك كالتفسير من النبي صلى الله عليه وسلم، يدل على ذلك حديث عمرو بن رافع قال‏:‏ ‏(‏أمرتني حفصة أن أكتب لها مصحفا‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث‏.‏ وفيه‏:‏ فأملت علي ‏{‏حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى - وهي العصر - وقوموا لله قانتين‏{‏ وقالت‏:‏ هكذا سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها‏.‏ فقولها‏{‏وهي العصر‏{‏ دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر الصلاة الوسطى من كلام الله تعالى بقوله هو‏(‏وهي العصر‏)‏‏.‏ وقد‏"‏روى نافع عن حفصة ‏{‏وصلاة العصر‏{‏؛ كما روي عن عائشة وعن حفصة أيضا ‏{‏صلاة العصر‏{‏ بغير واو‏.‏ وقال أبو بكر الأنباري‏:‏ وهذا الخلاف في هذا اللفظ المزيد يدل على بطلانه وصحة ما في الإمام مصحف جماعة المسلمين‏.‏ وعليه حجة أخرى وهو أن من قال‏:‏ والصلاة الوسطى وصلاة العصر جعل الصلاة الوسطى غير العصر؛ وفي هذا دفع لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه عبدالله قال‏:‏ شغل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب عن صلاة العصر حتى اصفرت الشمس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث‏.‏

قوله تعالى‏{‏والصلاة الوسطى‏{‏ دليل على أن الوتر ليس بواجب لأن المسلمين اتفقوا على أعداد الصلوات المفروضات أنها تنقص عن سبعة وتزيد على ثلاثة وليس بين الثلاثة والسبعة فرد إلا الخمسة والأزواج لا وسط لها فثبت أنها خمسة‏.‏ وفي حديث الإسراء‏:‏ ‏(‏هي خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي‏)‏‏.‏

قوله تعالى‏{‏وقوموا لله قانتين‏{‏ معناه في صلاتكم‏.‏ واختلف الناس في معنى قوله ‏{‏قانتين‏{‏ فقال الشعبي‏:‏ طائعين؛ وقاله جابر بن زيد وعطاء وسعيد بن جبير‏.‏، وقال الضحاك‏:‏ كل قنوت في القرآن فإنما يعني به الطاعة‏.‏ وقاله أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وإن أهل كل دين فهم اليوم يقومون عاصين، فقيل لهذه الأمة فقوموا لله طائعين‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ معنى قانتين خاشعين، والقنوت طول الركوع والخشوع وغض البصر وخفض الجناح‏.‏ وقال الربيع‏:‏ القنوت طول القيام؛ وقاله ابن عمر وقرأ ‏{‏أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما‏}‏الزمر‏:‏ 9‏]‏‏.‏ وقال عليه السلام‏.‏ ‏(‏أفضل الصلاة طول القنوت‏)‏ خرجه مسلم وغيره‏.‏ وقال الشاعر‏:‏

قانتا لله يدعو ربه وعلى عمدن من الناس اعتزل

وقد تقدم‏.‏ وروي عن ابن عباس ‏{‏قانتين‏{‏ داعين‏.‏ وفي الحديث‏:‏ ‏(‏قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا يدعو على رعل وذكوان‏)‏ قال قوم‏:‏ معناه دعا، وقال قوم‏:‏ معناه طول قيامه‏.‏ وقال السدي‏{‏قانتين‏{‏ ساكتين؛ دليله أن الآية نزلت في المنع من الكلام في الصلاة وكان ذلك مباحا في صدر الإسلام؛ وهذا هو الصحيح لما رواه مسلم وغيره عن عبدالله بن مسعود قال‏:‏ كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا فقلنا‏:‏ يا رسول الله، كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا‏؟‏ فقال‏:‏ ‏(‏إن في الصلاة شغلا‏)‏‏.‏ وروى زيد بن أرقم قال‏:‏ كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت‏{‏وقوموا لله قانتين‏{‏ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام‏.‏ وقيل‏:‏ إن أصل القنوت في اللغة الدوام على الشيء‏.‏ ومن حيث كان أصل القنوت في اللغة الدوام على الشيء جاز أن يسمى مديم الطاعة قانتا، وكذلك من أطال القيام والقراءة والدعاء في الصلاة، أو أطال الخشوع والسكوت، كل هؤلاء فاعلون للقنوت‏.‏

قال أبو عمر‏:‏ أجمع المسلمون طرا أن الكلام عامدا في الصلاة إذا كان المصلي يعلم أنه في صلاة، ولم يكن ذلك في إصلاح صلاته أنه يفسد الصلاة، إلا ما روي عن الأوزاعي أنه قال‏:‏ من تكلم لإحياء نفس أو مثل ذلك من الأمور الجسام لم تفسد صلاته بذلك‏.‏ وهو قول ضعيف في النظر؛ لقول الله عز وجل‏{‏وقوموا لله قانتين‏{‏ وقال زيد بن أرقم‏:‏ ‏(‏كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت‏{‏وقوموا لله قانتين‏{‏‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ الحديث‏.‏ وقال ابن مسعود‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏إن الله أحدث من أمره ألا تكلموا في الصلاة‏)‏‏.‏ وليس الحادث الجسيم الذي يجب له قطع الصلاة ومن أجله يمنع من الاستئناف، فمن قطع صلاته لما يراه من الفضل في إحياء نفس أو مال أو ما كان بسبيل ذلك استأنف صلاته ولم يبن‏.‏ هذا هو الصحيح في المسألة إن شاء الله تعالى‏.‏

واختلفوا في الكلام ساهيا فيها؛ فذهب مالك والشافعي وأصحابهما إلى أن الكلام فيها ساهيا لا يفسدها، غير أن مالكا قال‏:‏ لا يفسد الصلاة تعمد الكلام فيها إذا كان في شأنها وإصلاحها؛ وهو قول ربيعة وابن القاسم‏.‏ وروى سحنون عن ابن القاسم عن مالك قال‏:‏ لو أن قوما صلى بهم الإمام ركعتين وسلم ساهيا فسبحوا به فلم يفقه، فقال له رجل من خلفه ممن هو معه في الصلاة‏:‏ إنك لم تتم فأتم صلاتك؛ فالتفت إلى القوم فقال‏:‏ أحق ما يقول هذا‏؟‏ فقالوا‏:‏ نعم، قال‏:‏ يصلي بهم الإمام ما بقي من صلاتهم ويصلون معه بقية صلاتهم من تكلم منهم ومن لم يتكلم ولا شيء عليهم ويفعلون في ذلك ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذي اليدين‏.‏ هذا قول ابن القاسم في كتابه المدونة وروايته عن مالك، وهو المشهور من مذهب مالك وإياه تقلد إسماعيل بن إسحاق واحتج له في كتاب رده على محمد بن الحسن‏.‏ وذكر الحارث بن مسكين قال‏:‏ أصحاب مالك كلهم على خلاف قول مالك في مسألة ذي اليدين إلا ابن القاسم وحده فإنه يقول فيها بقول مالك، وغيرهم يأبونه ويقولون‏:‏ إنما كان هذا في صدر الإسلام، فأما الآن فقد عرف الناس صلاتهم فمن تكلم فيها أعادها؛ وهذا هو قول العراقيين‏:‏ أبي حنيفة وأصحابه والثوري فإنهم ذهبوا إلى أن الكلام في الصلاة يفسدها على أي حال كان سهوا أو عمدا لصلاة كان أو لغير ذلك؛ وهو قوله إبراهيم النخعي، وعطاء والحسن وحماد بن أبي سليمان وقتادة‏.‏ وزعم أصحاب أبي حنيفة أن حديث أبى هريرة هذا في قصة ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود وزيد بن أرقم، قالوا‏:‏ وإن كان أبو هريرة متأخر الإسلام فإنه أرسل حديث ذي اليدين كما أرسل حديث ‏(‏من أدركه الفجر جنبا فلا صوم له‏)‏ قالوا‏:‏ وكان كثير الإرسال‏.‏ وذكر علي بن زياد قال حدثنا أبو قرة قال‏:‏ سمعت مالكا يقول‏:‏ يستحب إذا تكلم الرجل في الصلاة أن يعود لها ولا يبني‏.‏ قال‏:‏ وقال لنا مالك إنما تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلم أصحابه معه يومئذ؛ لأنهم ظنوا أن الصلاة قصرت ولا يجوز ذلك لأحد اليوم‏.‏ وقد‏"‏روى سحنون عن ابن القاسم في رجل صلى وحده ففرغ عند نفسه من الأربع، فقال له رجل إلى جبنه‏:‏ إنك لم تصل إلا ثلاثا؛ فالتفت إلى آخر فقال‏:‏ أحق ما يقول هذا‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قال‏:‏ تفسد صلاته ولم يكن ينبغي له أن يكلمه ولا أن يلتفت إليه‏.‏ قال أبو عمر‏:‏ فكانوا يفرقون في هذه المسألة بين الإمام مع الجماعة والمنفرد فيجيزون من الكلام في شأن الصلاة‏.‏ للإمام ومن معه ما لا يجيزونه للمنفرد؛ وكان غير هؤلاء يحملون جواب ابن القاسم في المنفرد في هذه المسألة وفي الإمام ومن معه على اختلاف من قوله في استعمال حديث ذي اليدين كما اختلف قول مالك في ذلك‏.‏ وقال الشافعي وأصحابه‏:‏ من تعمد الكلام وهو يعلم أنه لم يتم الصلاة وأنه فيها أفسد صلاته، فإن تكلم ساهيا أو تكلم وهو يظن أنه ليس في الصلاة لأنه قد أكملها عند نفسه فإنه يبني‏.‏ واختلف قول أحمد في هذه المسألة فذكر الأثرم عنه أنه قال‏:‏ ما تكلم به الإنسان في صلاته لإصلاحها لم تفسد عليه صلاته، فإن تكلم لغير ذلك فسدت؛ وهذا هو قول مالك المشهور‏.‏ وذكر الخرقي عنه أن مذهبه فيمن تكلم عامدا أو ساهيا بطلت صلاته، إلا الإمام خاصة فإنه إذا تكلم لمصلحة صلاته لم تبطل صلاته‏.‏ واستثنى سحنون من أصحاب مالك أن من سلم من اثنتين في الرباعية فوقع الكلام هناك لم تبطل الصلاة، وإن وقع في غير ذلك بطلت الصلاة‏.‏ والصحيح ما ذهب إليه مالك في المشهور تمسكا بالحديث وحملا له على الأصل الكلي من تعدي الأحكام، وعموم الشريعة، ودفعا لما يتوهم من الخصوصية إذ لا دليل عليها‏.‏ فإن قال قائل‏:‏ فقد جرى الكلام في الصلاة والسهو أيضا وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم‏:‏ ‏(‏التسبيح للرجال والتصفيق للنساء‏)‏ فلم لم يسبحوا‏؟‏ فيقال‏:‏ لعل في ذلك الوقت لم يكن أمرهم بذلك، ولئن كان كما ذكرت فلم يسبحوا؛ لأنهم توهموا أن الصلاة قصرت؛ وقد جاء ذلك في الحديث قال‏:‏ وخرج سرعان الناس فقالوا‏:‏ أقصرت الصلاة‏؟‏ فلما يكن بد من الكلام لأجل ذلك‏.‏ والله أعلم‏.‏

وقد قال بعض المخالفين‏:‏ قول أبي هريرة ‏(‏صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ يحتمل أن يكون مراده أنه صلى بالمسلمين وهو ليس منهم؛ كما روي عن النزال بن سبرة أنه قال‏:‏ قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنا وإياكم كنا ندعى بني عبد مناف وأنتم اليوم بنو عبدالله ونحن بنو عبدالله‏)‏ وإنما عنى به أنه قال لقومه وهذا بعيد؛ فإنه لا يجوز أن يقول صلى بنا وهو إذ ذاك كافر ليس من أهل الصلاة ويكون ذلك كذبا، وحديث النزال هو كان من جملة القوم وسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمع‏.‏ وأما ما ادعته الحنفية من النسخ والإرسال فقد أجاب عن قولهم علماؤنا وغيرهم وأبطلوه، وخاصة الحافظ أبا عمر بن عبدالبر في كتابه المسمى بـ (1) وذكر أن أبا هريرة أسلم عام خيبر، وقدم المدينة في ذلك العام، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أعوام، وشهد قصة ذي اليدين وحضرها، وأنها لم تكن قبل بدر كما زعموا، وأن ذا اليدين قتل في بدر‏.‏ قال‏:‏ وحضور أبي هريرة يوم ذي اليدين محفوظ من رواية الحفاظ الثقات، وليس تقصير من قصر عن ذلك بحجة على من علم ذلك وحفظه وذكر‏.‏

القنوت‏:‏ القيام، وهو أحد أقسامه فيما ذكر أبو بكر بن الأنباري، وأجمعت الأمة على أن القيام في صلاة الفرض واجب على كل صحيح قادر عليه، منفردا كان أو إماما‏.‏ وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى قائما فصلوا قياما‏)‏ الحديث،، أخرجه الأئمة، وهو بيان لقوله تعالى‏{‏وقوموا لله قانتين‏{‏‏.‏ واختلفوا في المأموم الصحيح يصلي قاعدا خلف إمام مريض لا يستطيع القيام؛ فأجازت ذلك طائفة من أهل العلم بل جمهورهم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الإمام‏:‏ ‏(‏وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون‏)‏ وهذا هو الصحيح في المسألة على ما نبينه آنفا إن شاء الله تعالى‏.‏ وقد أجاز طائفة من العلماء صلاة القائم خلف الإمام المريض لأن كلا يؤدي فرضه على قدر طاقته تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم إذ صلى في مرضه الذي توفي فيه قاعدا وأبو بكر إلى جنبه قائما يصلي بصلاته والناس قيام خلفه، ولم يشر إلى أبي بكر ولا إليهم بالجلوس، وأكمل صلاته بهم جالسا وهم قيام؛ ومعلوم أن ذلك كان منه بعد سقوطه عن فرسه؛ فعلم أن الآخر من فعله ناسخ للأول‏.‏ قال أبو عمر‏:‏ وممن ذهب إلى هذا المذهب واحتج بهذه الحجة الشافعي وداود بن علي، وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك‏.‏ قال‏:‏ وأحب إلي أن يقوم إلى جنبه ممن يعلم الناس بصلاته، وهذه الرواية غريبة عن مالك‏.‏ وقال بهذا جماعة من أهل المدينة وغيرهم وهو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ لأنها آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ والمشهور عن مالك أنه لا يؤم القيام أحد جالسا، فإن أمهم قاعدا بطلت صلاته وصلاتهم، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا يؤمن أحد بعدي قاعدا‏)‏‏.‏ قال‏:‏ فإن كان الإمام عليلا تمت صلاة الإمام وفسدت صلاة من خلفه‏.‏ قال‏:‏ ومن صلى قاعدا من غير علة أعاد الصلاة؛ هذه رواية أبي مصعب في مختصره عن مالك، وعليها فيجب على من صلى قاعدا الإعادة في الوقت وبعده‏.‏ وقد روي عن مالك في هذا أنهم يعيدون في الوقت خاصة، وقول محمد بن الحسن في هذا مثل قول مالك المشهور‏.‏ واحتج لقوله ومذهبه بالحديث الذي ذكره أبو مصعب، أخرجه الدارقطني عن جابر عن الشعبي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا يؤمن أحد بعدي جالسا‏)‏‏.‏ قال الدارقطني‏:‏ لم يروه غير جابر الجعفي عن الشعبي وهو متروك الحديث، مرسل لا تقوم به حجة‏.‏ قال أبو عمر‏:‏ جابر الجعفي لا يحتج بشيء يرويه مسندا فكيف بما يرويه مرسلا‏؟‏ قال محمد بن الحسن‏:‏ إذا صلى الإمام المريض جالسا بقوم أصحاء ومرضى جلوسا فصلاته وصلاة من خلفه ممن لا يستطيع القيام صحيحة جائزة، وصلاة من صلى خلفه ممن حكمه القيام باطلة‏.‏ وقال أبو حنيفة وأبو يوسف‏:‏ صلاته وصلاتهم جائزة‏.‏ وقالوا‏:‏ لو صلى وهو يومئ بقوم وهم يركعون ويسجدون لم تجزهم في قولهم جميعا وأجزأت الإمام صلاته‏.‏ وكان زفر يقول‏:‏ تجزئهم صلاتهم؛ لأنهم صلوا على فرضهم وصلى إمامهم على فرضه، كما قال الشافعي‏.‏

قلت‏:‏ أما ما ذكره أبو عمر وغيره من العلماء قبله وبعده من أنها آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد رأيت لغيرهم خلال ذلك ممن جمع طرق الأحاديث في هذا الباب، وتكلم عليها وذكر اختلاف الفقهاء في ذلك، ونحن نذكر ما ذكره ملخصا حتى يتبين لك الصواب إن شاء الله تعالى‏.‏ وصحة قول من قال أن صلاة المأموم الصحيح قاعدا خلف الإمام المريض جائزة، فذكر أبو حاتم محمد بن حبان البستي في المسند الصحيح له عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في نفر من أصحابه فقال‏:‏ ‏(‏ألستم تعلمون أني رسول الله إليكم‏)‏ قالوا‏:‏ بلى، نشهد أنك رسول الله، قال‏:‏ ‏(‏ألستم تعلمون أنه من أطاعني فقد أطاع الله ومن طاعة الله طاعتي‏)‏‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى، نشهد أنه من أطاعك فقد أطاع الله ومن طاعة الله طاعتك‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فإن من طاعة الله أن تطيعوني ومن طاعتي أن تطيعوا أمراءكم فإن صلوا قعودا فصلوا قعودا‏)‏‏.‏ في طريقه عقبة بن أبي الصهباء وهو ثقة؛ قاله يحيى بن معين‏.‏ قال أبو حاتم‏:‏ في هذا الخبر بيان واضح أن صلاة المأمومين قعودا إذا صلى إمامهم قاعدا من طاعة الله جل وعلا التي أمر الله بها عباده، وهو عندي ضرب من الإجماع الذي أجمعوا على إجازته؛ لأن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أفتوا به‏:‏ جابر بن عبدالله وأبو هريرة وأسيد بن حضير وقيس بن قهد، ولم يرو عن أحد من الصحابة الذين شهدوا هبوط الوحي والتنزيل وأعيذوا من التحريف والتبديل خلاف لهؤلاء الأربعة، لا بإسناد متصل ولا منقطع؛ فكأن الصحابة أجمعوا على أن الإمام إذا صلى قاعدا كان على المأمومين أن يصلوا قعودا‏.‏ وبه قال جابر بن زيد والأوزاعي ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وأبو أيوب سليمان بن داود الهاشمي وأبو خيثمة وابن أبي شيبة ومحمد بن إسماعيل ومن تبعهم من أصحاب الحديث مثل محمد بن نصر ومحمد بن إسحاق بن خزيمة‏.‏ وهذه السنة رواها عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنس بن مالك وعائشة وأبو هريرة وجابر بن عبدالله وعبدالله بن عمر بن الخطاب وأبو أمامة الباهلي‏.‏ وأول من أبطل في هذه الأمة صلاة المأموم قاعدا إذا صلى إمامه جالسا المغيرة بن مقسم صاحب النخعي وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان ثم أخذ عن حماد أبو حنيفة وتبعه عليه من بعده من أصحابه‏.‏ وأعلى شيء احتجوا به فيه شيء رواه جابر الجعفي عن الشعبي قال قال رسول الله‏:‏ ‏(‏لا يؤمن أحد بعدي جالسا‏)‏ وهذا لو صح إسناده لكان مرسلا، والمرسل من الخبر وما لم يرو سيان في الحكم عندنا، ثم إن أبا حنيفة يقول‏:‏ ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء، ولا فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي، وما أتيته بشيء قط من رأي إلا جاءني فيه بحديث، وزعم أن عنده كذا وكذا ألف حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينطق بها؛ فهذا أبو حنيفة يجرح جابرا الجعفي ويكذبه ضد قول من انتحل من أصحابه مذهبه‏.‏ قال أبو حاتم‏:‏ وأما صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه فجاءت الأخبار فيها مجملة ومختصرة، وبعضها مفصلة مبينة؛ ففي بعضها‏:‏ فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فجلس إلى جنب أبي بكر فكان أبو بكر يأتم بالنبي صلى الله عليه وسلم والناس يأتمون بأبي بكر‏.‏ وفي بعضها‏:‏ فجلس عن يسار أبي بكر وهذا مفسر‏.‏ وفيه‏:‏ فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس قاعدا وأبو بكر قائما‏.‏ قال أبو حاتم‏:‏ وأما إجمال هذا الخبر فإن عائشة حكت هذه الصلاة إلى هذا الموضع، وآخر القصة عند جابر بن عبدالله‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالقعود أيضا في هذه الصلاة كما أمرهم به عند سقوطه عن فرسه؛ أنبأنا محمد بن الحسن بن قتيبة قال أنبأنا يزيد بن موهب قال حدثني الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر قال‏:‏ اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يسمع الناس تكبيره، قال‏:‏ فالتفت إلينا فرآنا قياما فأشار إلينا فقعدنا فصلينا بصلاته قعودا، فلما سلم قال‏:‏ ‏(‏كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا ائتموا بأئمتكم إن صلى قائما فصلوا قياما وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا‏)‏‏.‏ قال أبو حاتم‏:‏ ففي هذا الخبر المفسر بيان واضح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قعد عن يسار أبي بكر وتحول أبو بكر مأموما يقتدى بصلاته ويكبر يسمع الناس التكبير ليقتدوا بصلاته، أمرهم صلى الله عليه وسلم حينئذ بالقعود حين رآهم قياما؛ ولما فرغ من صلاته أمرهم أيضا بالقعود إذا صلى إمامهم قاعدا‏.‏

وقد شهد جابر بن عبدالله صلاته صلى الله عليه وسلم حين سقط عن فرسه فجحش شقه الأيمن، وكان سقوطه صلى الله عليه وسلم في شهر ذي الحجة آخر سنة خمس من الهجرة، وشهد هذه الصلاة في علته صلى الله عليه وسلم في غير هذا التاريخ فأدى كل خبر بلفظه؛ ألا تراه يذكر في هذه الصلاة‏:‏ رفع أبو بكر صوته بالتكبير ليقتدي به الناس، وتلك الصلاة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته عند سقوطه عن فرسه، لم يحتج إلى أن يرفع صوته بالتكبير ليسمع الناس تكبيره على صغر حجرة عائشة، وإنما كان رفعه صوته بالتكبير في المسجد الأعظم الذي صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في علته؛ فلما صح ما وصفنا لم يجز أن نجعل بعض هذه الأخبار ناسخا لبعض؛ وهذه الصلاة كان خروجه إليها صلى الله عليه وسلم بين رجلين، وكان فيها إماما وصلى بهم قاعدا وأمرهم بالقعود‏.‏ وأما الصلاة التي صلاها آخر عمره فكان خروجه إليها بين بريرة وثوبة، وكان فيها مأموما، وصلى قاعدا خلف أبي بكر في ثوب واحد متوشحا به‏.‏ رواه أنس بن مالك قال‏:‏ آخر صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع القوم في ثوب واحد متوشحا به قاعدا خلف أبي بكر فصلى عليه السلام صلاتين في المسجد جماعة لا صلاة واحدة‏.‏ وإن في خبر عبيدالله بن عبدالله عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بين رجلين‏.‏ يريد أحدهما العباس والآخر عليا‏.‏ وفي خبر مسروق عن عائشة‏:‏ ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفة فخرج بين بريرة وثوبة، إني لأنظر إلى نعليه تخطان في الحصى وأنظر إلى بطون قدميه؛ الحديث‏.‏ فهذا يدلك على أنهما كانتا صلاتين لا صلاة واحدة‏.‏ قال أبو حاتم‏:‏ أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة قال‏:‏ حدثنا محمد بن بشار قال‏:‏ حدثنا بدل بن المحبر قال‏:‏ حدثنا شعبة عن موسى بن أبي عائشة عن عبيدالله بن عبدالله عن عائشة‏:‏ أن أبا بكر صلى بالناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف خلفه‏.‏ قال أبو حاتم‏:‏ خالف شعبة بن الحجاج زائدة بن قدامة في متن هذا الخبر عن موسى بن أبي عائشة فجعل شعبة النبي صلى الله عليه وسلم مأموما حيث صلى قاعدا والقوم قيام، وجعل زائدة النبي صلى الله عليه وسلم إماما حيث صلى قاعدا والقوم قيام، وهما متقنان حافظان‏.‏ فكيف يجوز أن يجعل إحدى الروايتين اللتين تضادتا في الظاهر في فعل واحد ناسخا لأمر مطلق متقدم، فمن جعل أحد الخبرين ناسخا لما تقدم من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وترك الآخر من غير دليل ثبت له على صحته سوغ لخصمه أخذ ما ترك من الخبرين وترك ما أخذ منهما‏.‏ ونظير هذا النوع من السنن خبر ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نكح ميمونة وهو محرم وخبر أبي رافع صلى نكحها وهما حلالان فتضاد الخبران في فعل واحد في الظاهر من غير أن يكون بينهما تضاد عندنا؛ فجعل جماعة من أصحاب الحديث الخبرين اللذين رويا في نكاح ميمونة متعارضين، وذهبوا إلى خبر عثمان بن عفان عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لا ينكح المحرم ولا ينكح‏)‏ فأخذوا به، إذ هو يوافق إحدى الروايتين اللتين رويتا في نكاح ميمونة، وتركوا خبر ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نكحها وهو محرم؛ فمن فعل هذا لزمه أن يقول‏:‏ تضاد الخبران في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في علته على حسب ما ذكرناه قبل، فيجب أن يجيء إلى الخبر الذي فيه الأمر بصلاة المأمومين قعودا إذا صلى إمامهم قاعدا فيأخذ به، إذ هو يوافق إحدى الروايتين اللتين رويتا في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في علته ويترك الخبر المنفرد عنهما كما فعل ذلك في نكاح ميمونة‏.‏ قال أبو حاتم‏:‏ زعم بعض العراقيين ممن كان ينتحل مذهب الكوفيين أن قوله‏:‏ ‏(‏وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا‏)‏ أراد به وإذا تشهد قاعدا فتشهدوا قعودا أجمعون فحرف الخبر عن عموم ما ورد الخبر فيه بغير دليل ثبت له على تأويله‏.‏

 الآية رقم ‏(‏239‏)

‏{‏فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون‏}‏

قوله تعالى‏{‏فإن خفتم‏{‏ من الخوف الذي هو الفزع‏.‏ ‏{‏فرجالا‏{‏ أي فصلوا رجالا‏.‏ ‏{‏أو ركبانا‏{‏ معطوف عليه‏.‏ والرجال جمع راجل أو رجل من قولهم‏:‏ رجل الإنسان يرجل رجلا إذا عدم المركوب ومشى على قدميه، فهو رجل وراجل ورجل - ‏(‏بضم الجيم‏)‏ وهي لغة أهل الحجاز؛ يقولون‏:‏ مشى فلان إلى بيت الله حافيا رجلا؛ - حكاه الطبري وغيره - ورجلان ورجيل ورجل، ويجمع على رجال ورجلي ورجال ورجالة ورجالى ورجلان ورجلة ورجله ‏(‏بفتح الجيم‏)‏ وأرجلة وأراجل وأراجيل‏.‏ والرجل الذي هو اسم الجنس يجمع أيضا على رجال‏.‏

لما أمر الله تعالى بالقيام له في الصلاة بحال قنوت وهو الوقار والسكينة وهدوء الجوارح وهذا على الحالة الغالبة من الأمن والطمأنينة ذكر حالة الخوف الطارئة أحيانا، وبين أن هذه العبادة لا تسقط عن العبد في حال، ورخص لعبيده في الصلاة رجالا على الأقدام وركبانا على الخيل والإبل ونحوها، إيماء وإشارة بالرأس حيثما توجه؛ هذا قول العلماء، وهذه هي صلاة الفذ الذي قد ضايقه الخوف على نفسه في حال المسايفة أو من سبع يطلبه أو من عدو يتبعه أو سيل يحمله، وبالجملة فكل أمر يخاف منه على روحه فهو مبيح ما تضمنته هذه الآية‏.‏

هذه الرخصة في ضمنها إجماع العلماء أن يكون الإنسان حيثما توجه من السُّموت ويتقلب ويتصرف بحسب نظره في نجاة نفسه‏.‏

واختلف في الخوف الذي تجوز فيه الصلاة رجالا وركبانا؛ فقال الشافعي‏:‏ هو إطلال العدو عليهم فيتراءون معا والمسلمون في غير حصن حتى ينالهم السلاح من الرمي أو أكثر من أن يقرب العدو فيه منهم من الطعن والضرب، أو يأتي من يصدق خبره فيخبره بأن العدو قريب منه ومسيرهم جادين إليه؛ فإن لم يكن واحد من هذين المعنيين فلا يجوز له أن يصلي صلاة الخوف‏.‏ فإن صلوا بالخبر صلاة الخوف ثم ذهب العدو لم يعيدوا، وقيل‏:‏ يعيدون؛ وهو قول أبي حنيفة‏.‏ قال أبو عمر‏:‏ فالحال التي يجوز منها للخائف أن يصلي راجلا أو راكبا مستقبل القبلة أو غير مستقبلها هي حال شدة الخوف، والحال التي وردت الآثار فيها هي غير هذه‏.‏ وهي صلاة الخوف بالإمام وانقسام الناس وليس حكمها في هذه الآية، وهذا يأتي بيانه في سورة ‏{‏النساء‏{‏ إن شاء الله تعالى‏.‏ وفرق مالك بين خوف العدو المقاتل وبين خوف السبع ونحوه من جمل صائل أو سيل أو ما الأغلب من شأنه الهلاك، فإنه استحب من غير خوف العدو الإعادة في الوقت إن وقع الأمن‏.‏ وأكثر فقهاء الأمصار على أن الأمر سواء‏.‏

قال أبو حنيفة‏:‏ إن القتال يفسد الصلاة؛ وحديث ابن عمر يرد عليه، وظاهر الآية أقوى دليل عليه، وسيأتي هذا في ‏{‏النساء‏{‏ إن شاء الله تعالى‏.‏ قال الشافعي‏:‏ لما رخص تبارك وتعالى في جواز ترك بعض الشروط دل ذلك على أن القتال في الصلاة لا يفسدها، والله أعلم‏.‏

لا نقصان في عدد الركعات في الخوف عن صلاة المسافر عند مالك والشافعي وجماعة من العلماء وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة وغيرهما‏:‏ يصلي ركعة إيماء؛‏"‏روى مسلم عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن ابن عباس قال‏:‏ فرض الله الصلاة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة‏.‏ قال ابن عبدالبر‏:‏ انفرد به بكير بن الأخنس وليس بحجة فيما ينفرد به، والصلاة أولى ما احتيط فيه، ومن صلى ركعتين في خوفه وسفره خرج من الاختلاف إلى اليقين‏.‏ وقال الضحاك بن مزاحم‏:‏ يصلي صاحب خوف الموت في المسايفة وغيرها ركعة فإن لم يقدر فليكبر تكبيرتين‏.‏ وقال إسحاق بن راهويه‏:‏ فإن لم يقدر إلا على تكبيرة واحدة أجزأت عنه ذكره ابن المنذر‏.‏

وقوله تعالى‏{‏فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم‏{‏ أي ارجعوا إلى ما أمرتم به من إتمام الأركان‏.‏ وقال مجاهد‏{‏أمنتم‏{‏ خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة؛ ورد الطبري على هذا القول‏.‏ وقالت فرقة‏{‏أمنتم‏{‏ زال خوفكم الذي ألجأكم إلى هذه الصلاة‏.‏

واختلف العلماء من هذا الباب في بناء الخائف إذا أمن؛ فقال مالك‏:‏ إن صلى ركعة آمنا ثم خاف ركب وبنى، وكذلك إن صلى ركعة راكبا وهو خائف ثم أمن نزل وبنى؛ وهو أحد قولي الشافعي، وبه قال المزني‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ إذا افتتح الصلاة آمنا ثم خاف استقبل ولم يبن فإن صلى خائفا ثم أمن بنى‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ يبني النازل ولا يبني الراكب‏.‏ وقال أبو يوسف‏:‏ لا يبنى في شيء من هذا كله‏.‏

قوله تعالى‏{‏فاذكروا الله‏{‏ قيل‏:‏ معناه اشكروه على هذه النعمة في تعليمكم هذه الصلاة التي وقع بها الإجزاء؛ ولم تفتكم صلاة من الصلوات وهو الذي لم تكونوا تعلمونه‏.‏ فالكاف في قوله ‏{‏كما‏{‏ بمعنى الشكر؛ تقول‏:‏ افعل بي كما فعلت بك كذا مكافأة وشكرا‏.‏ ‏{‏وما‏{‏ في قوله ‏{‏ما لم‏{‏ مفعولة بـ ‏{‏علمكم‏{‏‏.‏

قال علماؤنا رحمة الله عليهم‏:‏ الصلاة أصلها الدعاء، وحالة الخوف أولى بالدعاء؛ فلهذا لم تسقط الصلاة بالخوف؛ فإذا لم تسقط الصلاة بالخوف فأحرى ألا تسقط بغيره من مرض أو نحوه، فأمر الله سبحانه وتعالى بالمحافظة على الصلوات في كل حال من صحة أو مرض، وحضر أو سفر، وقدرة أو عجز وخوف أو أمن، لا تسقط عن المكلف بحال، ولا يتطرق إلى فرضيتها اختلال‏.‏ وسيأتي بيان حكم المريض في آخر ‏{‏آل عمران‏{‏ إن شاء الله تعالى‏.‏ والمقصود من هذا أن تفعل الصلاة كيفما أمكن، ولا تسقط بحال حتى لو لم يتفق فعلها إلا بالإشارة بالعين لزم فعلها، وبهذا تميزت عن سائر العبادات، كلها تسقط بالأعذار ويترخص فيها بالرخص‏.‏ قال ابن العربي‏:‏ ولهذا قال علماؤنا‏:‏ وهي مسألة عظمى، إن تارك الصلاة يقتل؛ لأنها أشبهت الإيمان الذي لا يسقط بحال، وقالوا فيها‏:‏ إحدى دعائم الإسلام لا تجوز النيابة عنها ببدن ولا مال، فيقتل تاركها؛ أصله الشهادتان‏.‏ وسيأتي ما للعلماء في تارك الصلاة في ‏{‏براءة‏{‏ إن شاء الله تعالى‏.‏

 الآية رقم ‏(‏240‏)‏

‏{‏والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم‏}‏

قوله تعالى‏{‏والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا‏{‏ ذهب جماعة من المفسرين في تأويل هذه الآية أن المتوفى عنها زوجها كانت تجلس في بيت المتوفى عنها حولا، وينفق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل؛ فإن خرجت لم يكن على الورثة جناح في قطع النفقة عنها؛ ثم نسخ الحول بالأربعة الأشهر والعشر، ونسخت النفقة بالربع والثمن في سورة ‏{‏النساء‏{‏ قاله ابن عباس وقتادة والضحاك وابن زيد والربيع‏.‏ وفي السكنى خلاف للعلماء،‏"‏روى البخاري عن ابن الزبير قال‏:‏ قلت لعثمان هذه الآية التي في ‏{‏البقرة‏{‏‏{‏والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا - إلى قوله - غير إخراج‏{‏ قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو تدعها ‏؟‏ قال‏:‏ يا ابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه‏.‏ وقال الطبري عن مجاهد‏:‏ إن هذه الآية محكمة لا نسخ فيها، والعدة كانت قد ثبتت أربعة أشهر وعشرا، ثم جعل الله لهن وصية منه سكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة، فإن شاءت المرأة سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله عز وجل‏{‏غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم‏{‏‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ وهذا كله قد زال حكمه بالنسخ المتفق عليه إلا ما قوله الطبري مجاهدا رحمهما الله تعالى، وفي ذلك نظر على الطبري‏.‏ وقال القاضي عياض‏:‏ والإجماع منعقد على أن الحول منسوخ وأن عدتها أربعة أشهر وعشر‏.‏ قال غيره‏:‏ معنى قوله ‏{‏وصية‏{‏ أي من الله تعالى تجب على النساء بعد وفاة الزوج بلزوم البيوت سنة ثم نسخ‏.‏

قلت‏:‏ ما ذكره الطبري عن مجاهد صحيح ثابت، خرج البخاري قال‏:‏ حدثنا إسحاق قال حدثنا روح قال حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ‏{‏والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا‏{‏ قال‏:‏ كانت هذه العدة تعتد عند أهل زوجها واجبة فأنزل الله تعالى‏{‏والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا - إلى قوله - من معروف‏{‏ قال‏:‏ جعل الله لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت، وهو قوله تعالى‏{‏غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم‏{‏ إلا أن القول الأول أظهر لقوله عليه السلام‏:‏ ‏(‏إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة عند رأس الحول‏)‏ الحديث‏.‏ وهذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم عن حالة المتوفى عنهن أزواجهن قبل ورود الشرع، فلما جاء الإسلام أمرهن الله تعالى بملازمة البيوت حولا ثم نسخ بالأربعة الأشهر والعشر، هذا - مع وضوحه في السنة الثابتة المنقولة بأخبار الآحاد - إجماع من علماء المسلمين لا خلاف فيه؛ قاله أبو عمر، قال‏:‏ وكذلك سائر الآية‏.‏ فقوله عز وجل‏{‏والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهن متاعا إلى الحول غير إخراج‏{‏ منسوخ كله عند جمهور العلماء، ثم نسخ الوصية بالسكنى للزوجات في الحول، إلا رواية شاذة مهجورة جاءت عن ابن أبي نجيح عن مجاهد لم يتابع عليها، ولا قال بها فيما زاد على الأربعة الأشهر والعشر أحد من علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم فيما علمت‏.‏ وقد‏"‏روى ابن جريج عن مجاهد مثل ما عليه الناس، فانعقد الإجماع وارتفع الخلاف، وبالله التوفيق‏.‏

قوله تعالى‏{‏وصية‏{‏ قرأ نافع وابن كثير والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر ‏{‏وصية‏{‏ بالرفع على الابتداء، وخبره ‏{‏لأزواجهم‏{‏‏.‏ ويحتمل أن يكون المعنى عليهم وصية، ويكون قوله ‏{‏لأزواجهم‏{‏ صفة؛ قال الطبري‏:‏ قال بعض النحاة‏:‏ المعنى كتبت عليهم وصية، ويكون قوله ‏{‏لأزواجهم‏{‏ صفة، قال‏:‏ وكذلك هي في قراءة عبدالله بن مسعود‏.‏ وقرأ أبو عمرو وحمزة وابن عامر ‏{‏وصية‏{‏ بالنصب، وذلك حمل على الفعل، أي فليوصوا وصية‏.‏ ثم الميت لا يوصي، ولكنه أراد إذا قربوا من الوفاة، و‏{‏لأزواجهم‏{‏ على هذه القراءة أيضا صفة‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى أوصى الله وصية‏.‏ ‏{‏متاعا‏{‏ أي متعوهن متاعا‏:‏ أو جعل الله لهن ذلك متاعا لدلالة الكلام عليه، ويجوز أن يكون نصبا على الحال أو بالمصدر الذي هو الوصية؛ كقوله‏{‏أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما‏}‏البلد‏:‏ 14 - 15‏]‏ والمتاع ههنا نفقة سنتها‏.‏

قوله تعالى‏{‏غير إخراج‏{‏ معناه ليس لأولياء الميت ووارثي المنزل إخراجها و‏{‏غير‏{‏ نصب على المصدر عند الأخفش، كأنه قال لا إخراجا‏.‏ وقيل‏:‏ نصب لأنه صفة المتاع وقيل‏:‏ نصب على الحال من الموصين أي متعوهن غير مخرجات‏.‏ وقيل‏:‏ بنزع الخافض، أي من غير إخراج‏.‏

قوله تعالى‏{‏فإن خرجن‏{‏ الآية‏.‏ معناه باختيارهن قبل الحول‏.‏ ‏{‏فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن‏{‏ أي لا حرج على أحد ولِيٍّ أو حاكم أو غيره؛ لأنه لا يجب عليها المقام في بيت زوجها حولا‏.‏ وقيل‏:‏ أي لا جناح في قطع النفقة عنهن، أو لا جناح عليهن في التشوف إلى الأزواج، إذ قد انقطعت عنهن مراقبتكم أيها الورثة، ثم عليها ألا تتزوج قبل انقضاء العدة بالحول، أو لا جناح في تزويجهن بعد انقضاء العدة‏.‏ لأنه قال ‏{‏من معروف‏{‏ وهو ما يوافق الشرع‏.‏ ‏{‏والله عزيز‏{‏ صفة تقتضي الوعيد بالنسبة لمن خالف الحد في هذه النازلة، فأخرج المرأة وهي لا تريد الخروج‏.‏ ‏{‏حكيم‏{‏ أي محكم لما يريد من أمور عباده‏.‏